محمد متولي الشعراوي

1187

تفسير الشعراوي

و « لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ » فكأن الشيطان قد مس التكوين الإنسانى مسا أفسد استقامة ملكاته ، فالتكوين الإنسانى له استقامة ملكات مع بعضها البعض ؛ فكل حركة لها استقامة ، فإذا ما مسّه الشيطان فسد تآزر الملكات ، فملكاته النفسية تكون غير مستقيمة وغير منسجمة مع بعضها البعض ، فتكون حركته غير رتيبة وغير منطقية . وما المناسبة بين هذه الصورة وبين عملية الربا ؟ . إن أردنا في الآخرة ميزة ، فساعة ترى واحدا مصروعا فاعرف أنه من أصحاب الربا ، هذا في الآخرة ، وفي الدنيا تجد أيضا أن له حركة غير منطقية ، هستيرية ، كيف ؟ انظر إلى العالم الآن ، لقد خلق اللّه العالم على هيئة من التكامل . فهذا إنسان يتمتع بإمكانات ومواهب ، وذاك يتمتع بمواهب وإمكانات أخرى ، حتى يحتاج صاحب هذه الإمكانات إلى صاحب تلك الإمكانات فيكتمل الكون ، ولو أن كل إنسان كان وحدة متكررة لاستغنى الكل عن الكل . ولو أن الأفراد متساوون في المواهب لما احتاج الناس لبعضهم البعض . لكن المواهب تختلف ؛ لأنك إن أجدت فنّا من فنون الحياة فقد أجاد سواك فنونا أخرى أنت محتاج إليها ، فإن احتاجوا إليك فيما أجدت ، فقد احتجت إليهم فيما أجادوا ، وهكذا يتكامل العالم . وكذلك خلق اللّه الكون : مناطق حارة ، ومناطق باردة ، ومناطق بها معادن ، ومناطق بها زراعة ؛ حتى يضطر العالم إلى أن يتكامل ، ويضطر العالم إلى أن يتعايش مع بعضه ، ولذلك يقول الحق في سورة « الرحمن » : وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ ( 10 ) ( سورة الرحمن ) « وضعها » لمن ؟ . « والأرض » ، أي أرض ، وأي أنام ؟ . الأرض كل الأرض ، والأنام كل الأنام ، فإن تحددت بحواجز فسدت . إن منع الإنسان من حرية الانتقال من مكان إلى مكان يفسد حركة الإنسان في الكون ، فقد يرغب إنسان في أن ينتقل إلى أرض بكر ليعمرها ، فيرفض أهل تلك الأرض ، فلو أن الأرض كل الأرض كانت للأنام كل الأنام بحيث إن ضاق العمل في مكان ذهبت إلى مكان